عبد الشافى محمد عبد اللطيف
386
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
فبالموقع الجغرافي توضح الخريطة السياسية حقيقة مهمة ، وهي أن أطول حدود مشتركة مباشرة للاتحاد السوفيتي هي مع الدول الإسلامية ، ابتداء من الباكستان وأفغانستان ، عبر إيران وتركيا ، هذا فضلا عن أن جسم العالم الإسلامي الأساسي في مجموعه بعد هذا ظهير ضخم للكتلة الشيوعية ، وإذا نحن حللنا جوهر الحلف على ضوء هذه الحقائق فسنجد أنه أساسا وفي الدرجة الأولى جزء لا يتجزء من استراتيجية الغرب لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ؛ أعني إستراتيجية « الإحاطة والتطويق » المشهورة ، التي تهدف إلى حصار الكتلة الشرقية عامة والاتحاد السوفيتي خاصة بسلسلة متصلة الحلقات من الأحلاف السياسية والعسكرية ؛ تبدأ من النرويج حتى اليابان والحلف بهذا موجه إلى الخارج ، أعني أنه يجند العالم الإسلامي ككل لينظر إلى خارج حدوده ، وبالتحديد نحو تخومه الشمالية ، وبعبارة أخرى - ورغم المخاطرة بالتكرار - ينبغي أن نصرّ على أن الحلف كان تعبيرا عن استراتيجية الكتلتين ، وانعكاسا لمنطق الاستقطاب الثنائي ، والحلف بهذا ليس حلفا دينيّا ، رغم الاسم ، ولكنه حلف سياسي عسكري « 1 » . هذا الحلف لم يكتب له النجاح بل مات بالسكتة القلبية لكن الغرب لم ييأس ، وإنما فكر على الفور في بدائل له ، تخلو من القناع الديني ، وتكون سياسية وعسكرية ، وكان أولها هو ما يسمى بمنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط « 2 » أو الميدو Medo التي تمتد من تركيا حتى الباكستان ومن إيران حتى مصر . « وقدم الغرب بنفسه هذا المشروع . . لكل من العرب وإسرائيل ، فكانت تلك الخطوة القاتلة التي أودت بالمشروع في مهده . ومن هذه التجربة الحرجة بدأ الغرب يعدل تكتيكه - الغزو من الداخل - بدلا من أن يفرض الحلف نفسه من الخارج ، والتمويه - هذه المرة - بمواجهة إسرائيل ، بدلا من المشاركة معها ، ومن هنا كان حلف بغداد ؛ الذي دعت إليه - شكليّا - دول في منطقة الشرق الأوسط ، للدفاع والأمن المشترك ، وروجت له - تضليلا - على أساس أنه دفاع وحماية ضد إسرائيل والصهيونية . وقد تألف الحلف من باكستان وإيران والعراق وتركيا ،
--> ( 1 ) د . جمال حمدان ، المرجع السابق ( ص 146 ) . ( 2 ) راجع كتاب الرئيس الأسبق نيكسون - انتهزوا الفرصة ( ص 55 ) ترجمة حاتم غانم . الطبعة الأولى سنة ( 1992 م ) القاهرة .